حسن الأمين

109

مستدركات أعيان الشيعة

الخليفة العباسي ولاية الشام التي تعتبر امتدادا لنفوذ الإخشيديين ومجالا حيويا لتوسعهم ، فإنه هم بقطع الصلة مع الخلافة العباسية وإعلان الخطبة للقائم بأمر الله الفاطمي ، ( 1 ) لولا أن رجاله نصحوه بالعدول عن تنفيذ هذا الاتجاه الخطير ، الذي سيزيد بدون شك - من غضب العباسيين ، ويعلي شان خصمه ابن رائق ، الذي قد ينقلب إلى بطل إنقاذ ، ويرمي به في ميدان مصر الثائرة ضد السلطة الشرعية في بغداد . ( 2 ) وإذا كان الإخشيد قد استجاب لرأي المخلصين من نصائحه ، فأبقى على الرباط الشكلي ، مع العباسيين ، واحتفظ باستقلاله عن الفاطميين ، فإنه استجاب إلى حد ما ، للعرض الثاني الذي تضمنته رسالة الخليفة الفاطمي ، حيث اقترح في رده على القائم ، أن يقبل الأخير زواج ابنه ، وحجته ولي عهد المسلمين أبي الطاهر إسماعيل بابنته ، فاستجاب القائم بأمر الله وحبذ الفكرة على أساس أنها تتيح فرصة لربط المغرب بمصر ، عن طريق المصاهرة ، التي تتضمن الحلف والتبعية في نظره ، ولذلك نلاحظ أنه عندما انطلق بالفكرة ، إلى أبعادها السياسية وأرسل إلى الإخشيد يقول له : « وصل كتابك ، وقد قبلنا ما بذلت ، وهي وديعة لنا عندك ، وقد نحلناها من بيت مالنا قبلك مائة ألف دينار فوصل ذلك إليها » . ( 3 ) لم يرتح لمضمون الرد ، الذي انبنى على أساس تبعيته للفاطميين ، وكان ينتظر من الخليفة القائم أن يقبل مشروع الزواج ، تشريفا له ، وطريقا للمصافاة بين البلدين ، وأن يهاديه بأموال ، وألطاف كثيرة ، نظير هذا العرض السخي ، ليفاخر بها ، ويزايد أمام بعض خصومه وليشعر الخليفة العباسي بأهمية مركزة ، وعظمته ، وقوته فلا يبالغ في إضفاء كل الأهمية على خصمه محمد بن رائق . وما دام الأمر لم يتم مع القائم بأمر الله ، كما توقعه الإخشيد ، مكسبا ماديا وأديبا ، فإنه بقي على تحفظه ، ووضعه القديم واليا مستكفيا من طرف العباسيين . ( 4 ) وكان يمكن للخليفة المنصور أن يواصل العمل في نفس الخط الذي رسمه أبوه ، وجده ، نضالا بالقلم ، وبالسيف ، في سبيل نشر الدعوة ، وتنفيذ مشاريع الدولة ، وإعلاء كلمتها في المشرق العباسي ، لولا « التياث أمر بلاد المغرب ، ( 5 ) بسبب ثورة أبي يزيد ، وابنه فضل ، وانتقاض محمد بن خزر ، واضطراب أوضاع صقلية ، وعند ما تغلب على معظم هذه المشاكل ( 6 ) لم يمتد به أجله ، ومع ذلك فان اهتمامه بإرجاع الحجر الأسود إلى مكانه ، أكسب خلفاء الفاطميين سمعة في المشرق ، فتعاطف معهم جمهور غفير من سكانه ، وكان خير وسيلة للإبانة عن أهميتهم للإبقاء على سلامة المقدسات الإسلامية ، بعيدا عن أيدي المغامرين ، وقد أوصى ابنه وحجته المعز لدين الله ، بالاهتمام بأمر مصر ، والشرق ، تنفيذا لوصية جده القائم ( 7 ) وباشراف المعز لدين الله ، ثم تنفيذ الخطة الأصلية للحركة الفاطمية ضد العباسيين في المشرق . وقد كان هذا الخليفة أوفر خلفاء الفاطميين نشاطا في العمل ضد العباسيين ، فلم يقتصر على ميدان الدعوة وإرسال الدعاة لتخذيل رعاياهم واستفساد ولاتهم ، وتمهيد نفوسهم لقبول التشيع أو الولاء للخلافة الفاطمية ، بل أرسل الجيوش لنجدة سكان أقريطش التابعين لهم ، كي يظهرهم على حقيقتهم عاجزين عن حماية الإسلام أو عن فرض هيمنتهم على بعض ولاتهم في مصر الذين تباطئوا في نجدة سكان الجزيرة ، وعند ما استقبل رسول ملك الروم ، في المنصورية ، أوعز إليه بسر خطير « لتدخلن علي وأنا بمصر مالكا لها » . ( 8 ) وتركزت خطته لتحقيق هذه الغاية ، على التمهيد الكامل لذلك ، في بيئة المغرب ، بحشد القوى وتربية جيل جديد من كتامة ، يكون جديرا بان يمثل رجاله الدور الايجابي في المشرق ، نظير ما فعله أسلافهم في بيئة المغرب ، أما التمهيد لذلك في بيئة المشرق ، فيكون بمتابعة نشاط الدعاة ، وتسقط أخبارهم ، والاعتماد على الماهرين منهم في اكتساب ثقة ولاة مصر الإخشيديين ، ومن هؤلاء أبو جعفر بن نصر الذي أثر على أحمد بن علي بن طغج ، وحوله إلى المذهب الشيعي ، وحمله على مكاتبة المعز لدين الله بعد أن صوره أمامه بمثابة والد رحيم ، سوف يخفف عنه مشقات الحكم ، وعبث الجند ، ( 9 ) وبواسطة هذا الداعي وغيره كان يعرف المعز لدين الله ، سير الأوضاع في مصر . وعن بعض مكاتباتهم ، وردوده عنهم ، تحدث إلى شيوخ كتامة بقوله « وإني مشغول بكتب ترد علي من المشرق والمغرب أجيب عليها بخطي » . ( 10 ) وفي أكثر من مرة كان يشرح أمام شيوخ كتامة ما يعلقه من آمال في ميدان مصر والمشرق ، بعد ان تحقق الشيء الكثير على أيدي أسلافهم في المغرب « واعلموا أنكم إذا لزمتم ما آمركم به رجوت أن يقرب الله علينا أمر المشرق ، كما قرب أمر المغرب بكم » . ( 11 ) ولشعوره بان التعبئة المادية ، والمعنوية لم تكتملا بعد ، لم يستجب لرغبة دعاته في المشرق ، بان ينتقل بسرعة إلى مصر لتطور الأوضاع في صالح الحركة الفاطمية ، « إننا لم نتخلف عن ذلك إلا انتظارا للمدة التي وعدنا الله الظهور فيها ، ولو حضرت ما تخلفنا » وكي يوضح أمامهم أن التأخر لحكمة ، وأن الانتقال إلى مصر هدف أساسي للحركة الفاطمية ، ذكرهم بالسابقة التاريخية التي ارتبطت بالمهدي جد الخلفاء الفاطميين ، تعبيرا عن وجوده السياسي ، بأنه وإن لم ينجح - هو صاحب حق شرعي في هذه البلاد ،

--> ( 1 ) نفسه ، س 4 وقد عبر عن موقفه بقوله « قد تأذيت بالراضي ، وبهذا الصبي ابن رائق ، وقد أمرت الخطيب أن يدعو لأبي القاسم صاحب المغرب » . ( 2 ) ابن سعيد ، 1 ، 177 س 16 - 17 وقد قالوا للأخشيد « لأنك إذا عملت هذا كاتبه من مصر ، من يكره هذا ، وكتب بذلك إلى العراق فإن كان الراضي لم يقلده قلده وأنفذ إليه الأموال والعساكر وصيرت له شيعة وخاصة ولكن دع هذا إلى وقت آخر » . ( 3 ) نفسه ، المغرب في حلى المغرب 1 ، 177 . ( 4 ) وبموت الخليفة الراضي 329 ه‍ ، وموت محمد بن رائق ، صفا الجو السياسي للأخشيد وخلصت له ولايتا مصر وبلاد الشام . انظر ابن سعيد : المصدر السابق 1 ، 179 . ( 5 ) عبد المنعم ماجد : ظهور خلافة الفاطميين وسقوطها ، 98 - 100 . ( 6 ) المقريزي : اتعاظ الحنفا 1 ، 91 ، ويشير إلى أن المنصور الفاطمي ، يشبه في الحزم وتصفية المشاكل ، سميه أبا جعفر المنصور العباسي . ( 7 ) نفسه 1 ، 69 . ( 8 ) نفسه 1 ، 266 ، ابن الأثير : المصدر السابق 8 ، 239 - 240 . ( 9 ) سبط ابن [ الحوزي ] الجوزي : مرأة الزمان ج 11 ورقة 240 ، خ دار الكتب رقم 551 ، أبو المحاسن ، النجوم الزاهرة 4 ، 730 . كامل حسين : في أدب مصر الفاطمية 16 ، المقريزي : اتعاظ ، 1 ، 139 ، وقد أصبح أبو جعفر ، من بين المقربين إلى المعز لدين الله ، ومن مرافقيه . ( 10 ) نفسه ، س 4 وقد عبر عن موقفه بقوله « قد تأذيت بالراضي ، وبهذا الصبي ابن رائق ، وقد أمرت الخطيب أن يدعو لأبي القاسم صاحب المغرب » . ( 11 ) المقريزي : اتعاظ ، 1 ، 92 .